الشيخ محمد السبزواري النجفي
301
الجديد في تفسير القرآن المجيد
باختيار الخلق ، وفي الإكمال عن القائم عليه السلام أنه سئل عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم . قال : مصلح أم مفسد ؟ قيل : مصلح . قال : هل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد . قيل : بلى . قال : فهي العلة ، وأوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك . ثم قال عليه السلام : أخبرني عن الرّسل الذين اصطفاهم اللّه عزّ وجلّ وأنزل عليهم الكتاب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم ، مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما ، إذ هما بالاختيار ، أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنه مؤمن قيل : لا . قال : هذا موسى كليم اللّه ، مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي إليه ، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه ولاستماع كلام ربّه عزّ وجلّ سبعين رجلا ممّن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم ، فوقع خيرته على المنافقين ، قال عزّ وجلّ : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا ، إلى قوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ . فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه عزّ وجلّ للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد ، علمنا أن الاختيار لا يجوز أن يقع إلّا ممّن يعلم ما تخفي الصدور وتكنّ الضمائر وتنصرف إليه السرائر ، وأنه لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا الصلاح . وهكذا فإنه سبحانه يقيم الحجة على صحة اختياره بقوله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ، إذ يعلم ما تضمر الصدور وما تخفي النفوس من عداوة الرسول والمؤمنين ، ويعلم ما يُعْلِنُونَ ما يبرزونه ويظهرونه من الطعن في نبوّة النبيّ وتكذيب القرآن . فمن يكون هذا شأنه ينبغي أن يختار الأصلح ، لا من يعلم ظواهر الأشخاص دون بواطنهم . فكيف بمن لا يميّز الأصلح ، لا من يعلم ظواهر الأشخاص دون بواطنهم . فكيف بمن لا يميّز الأصلح من الأفسد ؟ والحاصل أنه سبحانه وتعالى هو المتفرّد في الخلق وفي اختيار الأصلح لقيادة عباده وهداهم ، وهو منزّه عن الشريك والمنازع في